محمد متولي الشعراوي
786
تفسير الشعراوي
ليلة القدر فقالت : إن أدركتني هذه الليلة بماذا أدعو ؟ أنظروا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لقد علّم أم المؤمنين عائشة أن تدعو بمقاييس الخير الواسع فقال لها : « قولي : اللهم إنك تحب العفو فاعف عنى » « 1 » . ولا يوجد جمال أحسن من العفو ، ولا يوجد خير أحسن من العفو ، فلا أقول : أعطني ، أعطني ؛ لأن هذا قد ينطبق عليه قول الحق : وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا ( 11 ) ( سورة الإسراء ) فمن يقول : لقد دعوت ربى فلم يستجب لي ، نقول له : لا تكن قليل الفطنة فمن الخير لك أنك لا تجاب إلى ما طلبت فاللّه يعطيك الخير في الوقت الدى يريده . وبعد ذلك يترك الحق لبعض قضايا الوجود في المجتمع أن تجيبك إلى شئ ثم يتبين لك منه الشر ، لتعلم أن قبض إجابته عنك كان هو عين الخير ، ولذلك فإن الدعاء له شروط ، فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يدعونا إلى الطيب من الرزق . فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة قوله : « ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء : يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنّى يستجاب له » « 2 » . إن الرسول يكشف أمامنا كيف يفسد جهاز الإنسان الذي يدعو ، لذلك فعدم إجابة الدعوة إما لأن جهاز الدعوة جهاز فاسد ، وإما لأنك دعوت بشئ تظن أن فيه الخير لك لكن اللّه يعلم أنه ليس كذلك ، ولهذا يأخذ بيدك إلى مجال حكمته ، ويمنع عنك الأمر الذي يحمل لك الشر . وشئ آخر ، قد يحجب عنك الإجابة ، لأنه إن أعطاك ما تحب فقد أعطاك في خير الدنيا الفانية ، وهو يحبك فيبقى لك الإجابة إلى خير الباقية ، وهذه ارتقاءات
--> ( 1 ) هذا لفظ الترمذي ، وقال حديث حسن صحيح ، وأخرجه الحاكم في مستدركه ، وقال صحيح على شرط الشيخين . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه .